إجتماع الثلاثاء الماضي بين مسؤولين سوريين و«قسد» لم يصل الى نتيجة
الأسد نجح بإبعاد «الإخوان المسلمين» عن اللجنة الدستوريّة ولا مكان لهم في سوريا

رضوان الذيب

الازمة السورية تمر في مفصل استثنائي مع لعبة المصالح الدولية والاقليمية في شمال سوريا وبدء الهجوم التركي على هذه المنطقة السورية وصولاً الى عمق 30 كلم، متقمصاً حالة «جيش لبنان الجنوبي» جيش لحد، «وفي سوريا جيش جمال ادريس» وهذه العملية قوبلت بغموض روسي وتأييد اميركي ومواقف ضبابية للكثير من الدول مع رفض اوروبي خوفاً من تدفق مزيد من النازحين الاكراد الى الدول الاوروبية.

الجيش التركي وفي اليوم الثالث للعملية تقدم بعمق 8 كلم حتى الان ووصل الى مشارف مدينة رأس العين وتل ابيض تمهيداً لتطويقهما وخسر 5 جنود في كمائن كردية، بينما خسر المقاتلون الاكراد عدداً منهم. لكن اللافت ان قوات «قسد» المؤلفة من 65 الف مقاتل مزودين باحدث الاسلحة وارسل لهم الجيش السوري عتاداً كبيراً منذ اسابيع، فانهم يتجنبون المواجهات المباشرة ويخلون مواقعهم لمنع وقوع خسائر بشرية ويعتمدون على «حرب الكمائن» «كرّ وفرّ» في ظل معركة غير متكافئة وقصف جوي تركي يمارس سياسة الارض المحروقة.

وحسب مصادر مطلعة ومتابعة لما يجري، فان قيادات في المحور السوري الايراني - الروسي يحملون قوات سوريا الديموقراطية «قسد» وصول الامور الى هذه النقطة الخطيرة، جراء رفض الاكراد للمناشدات الروسية والايرانية بالسماح للجيش السوري الدخول الى مناطقهم وتسليمه الامن وادارة شؤون المنطقة مقابل ضغط روسي - ايراني على تركيا لمنعها من تنفيذ العملية العسكرية، واذا اصرت تركيا تصبح الحرب بين دولتين وهذا الامر لا تستطيع تركيا تحمله.

وفي المعلومات ايضاً، ان الروس ابلغوا الجانب السوري وقيادات «قسد» منذ اسابيع ان التركي سينفذ عملية عسكرية كبرى وبعمق 30 كلم لضمان امنه القومي وحماية حدوده من الاكراد. وعندها تحركت القيادات السورية منذ شهر ونصف تقريباً باتجاه «الكرد» وزار نائب وزير الدفاع السوري الحسكة والقامشلي والتقى قيادات «قسد»ولم تنجح كل جهود الدولة السورية لدفع الاكراد، للقبول بدخول الجيش السوري الى مناطقهم ووضع قوات «قسد» بامرة الجيش السوري وتسليمه الاسلحة الثقيلة وانضمام مقاتلي «قسد» الى الجيش السوري، وعلى اثر ذلك، تحركت «الماكينة الاميركية» وضغطت على الاكراد بقوة ومنعتهم من اي تقارب مع الدولة السورية وهذه كانت رغبة الاكراد ايضاً برفض الدولة السورية والاصرار على قيام نظام كردي مستقل، لاعتقادهم ان هذه الفرصة لن تتكرر لتحقيق الحلم الكردي. وبعدها جاءت قيادات كردية الى دمشق وفتحوا مكتباً لهم ومارسوا من خلاله نشاطاً اعلامياً وسياسياً. واجروا اتصالات مع العديد من المراجع الدولية وسافروا الى الخارج عبر مطار دمشق، كما عالجت الدولة السورية 4000 الاف جريح كردي، كما لجأت قيادات كردية الى دمشق للحماية بعد ان قامت انقرة بتسليم واشنطن لائحة باسماء قيادات سياسية وعسكرية كردية وضغطت لتسلميها هؤلاء الذين لجأوا الى دمشق وامنت لهم الحماية.

وفي المعلومات، ان قيادات كردية انتقلت ليل الثلاثاء والاربعاء الماضي الى دمشق بعدما تأكد الهجوم التركي وعقدت سلسلة اجتماعات مع القيادات الامنية السورية وباءت الاجتماعات بالفشل بعد رفض الاكراد دخول الجيش السوري الى مناطقهم وتجنب الح رب وطلبوا تدخلا روسياً لوقف الهجوم التركي. كما طلبوا المساعدة من الجيش السوري بالتصدي للطائرات التركية ومنعها من تحقيق اهدافها ومعالجة الجرحى فقط، مع اصرارهم نتيجة، «الهوى الاميركي، وعلى العمياني» من دخول الجيش السوري الى مناطقهم لانهم ما زالوا يحلمون بتدخل اميركي في اللحظات الاخيرة ينقذهم من المصير الذي ينتظرهم، واصدرت بعد ذلك الخارجية السورية بياناً عنيفاً ضد الاتراك وحملت ايضاً «قسد» مسؤولية ما يجري، كما طلب الاكراد دخول الجيش السوري في المواجهة المباشرة عبر القصف المدفعي والصاروخي البعيدين دون الدخول الى عمق المناطق الكردية، لكن القيادة السورية، لا تعمل بالشروط الكردية ولا تسمح للاكراد وغيرهم توقيت ساعة المعركة مع الجيش التركي. كما ان الجيش السوري منتشر على مساحة بطول 275 كلم لمواجهة التكفيريين من ادلب الى غرب حلب وجبال التركمان وصولاً الى ريف اللاذقية وريفي حماة وحمص، واي اشغال للجيش السوري بالمواجهة مع الجيش التركي يعني عودة داعش والنصرة الى كل مناطق الدولة السورية وربما الوصول الى محيط دمشق. وبالتالي فان الاكراد وسياساتهم «العشق المجاني» للاميركيين ربما حولهم الى ضحايا نتيجة الجهل السياسي، رغم ان الدولة السورية ستفتح ابوابها للنازحين الاكراد وستعالج المصابين وستؤمن كل وسائل الحياة لابنائها الاكراد كما لكل المواطنين السوريين. علما ان النقاش مع الاكراد بعد سنوات دون جدوى كما ان الايرانيين خاضوا نقاشات مع ممثلي «قسد» ودون جدوى في ظل معادلتهم اميركا اولاً.

وفي المعلومات، انه مقابل التفتت الكردي حتى الانتحار، من اجل بناء الدولة الكردية، دفع الدولة السورية الى التمسك برفض تمثيل «قسد» في اللجنة الدستورية السورية ونجح النظام في ذلك منطلقاً من ان المواطنين الاكراد هم سوريون ويسري عليهم ما يسري على السوريين ولا حق لهم بالانفصال واستنجد الاكراد بالاميركيين للضغط من اجل دخولهم الى اللجنة الدستورية الجديدة، وقوبلت مطالبهم بالرفض المطلق، خصوصاً ان الاكراد لم يتعلموا من تجربة اكراد العراق وكيف تخلى الاميركيون عن البارزاني وسمحوا للجيش العراقي بالدخول الى كركوك. ولذلك فان الاكراد يتحملون نتائج ما حصل ولكن ذلك لا يعني تبرير الغزو التركي لاراضي سوريا وارتكابها مجازر بحق المدنيين، علماً ان العشائر العربية في المناطق الكردية تحملت الكثير من ممارسات الاكراد، وهذه العشائر ستقاتل الغزو التركي من منطلقات عربية وبان الاحتلال التركي هو لارض عربية وليس لمناطق كردية. كما يصورها الاكراد والاعلام الغربي حالياً بان الحرب بين تركيا والاكراد. بل ما يجري هو احتلال تركي لارض عربية.

العملية التركية قوبلت برفض عالمي وعربي ستعرض اردوغان لعزلة دولية ولضغوط اقتصادية كبيرة مع تقدم المعارضة التركية وانتصاراتها البلدية، مما يجعل حكم الاخوان المسلمين شبيه بايام الدولة العثمانية في ايامها الاخيرة، مع تحول الجيش العثماني الى جيش انكشاري وحزب العدالة والتنمية الى حزب مترهل واكبر دليل على ذلك بانه لولا المساعدة الايرانية لاردوغان خلال المحاولة الانقلابية الاخيرة لكان مصير اردوغان معروف، علماً ان الرئيس التركي كان يومها في عز قوته وقوة حزبه بعكس المرحلة الحالية.

هذا بالاضافة الى ان الجيش التركي سيواجه اياماً عصيبة شمال سوريا مع حرب العصابات العربية والكردية في منطقة واسعة وتضاريسها تسمح بخوض «حرب الكمائن» الذي هزم الجيشين الاميركي والروسي في فيتنام وافغانستان، فكيف سيكون حال الجيش التركي الذي دخل في حرب استنزاف لن يخرج منها سليما.

اما على الجانب السوري فان الانسحاب الاميركي يشكل اكبر تحول في الحرب السورية لصالح القيادة السورية وحلفائها والاميركي هو القادر على رسم الخطوط الحمراء وفرض الشروط والتحكم باغنى مناطق النفط، وهذا انتهى مع الانسحاب الاميركي وسيترجم اولا بفتح طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت من دون عوائق اميركية وغيرها ويبقى التعامل مع الاتراك اخف وطأة وشروطاً من التعامل مع الاميركي وضربه امر سهل جداً بعكس التورط في حرب مع الاميركيين.

هذا بالاضافة الى ان لتركيا علاقات متوترة مع العراق وغير سليمة مع ايران، ومقطوعة مع قبرص واليونان وكل الدول الاوروبية، ومتفجرة مع اميركا بالاضافة ايضا الى قوة المعارضة وحزب الشعب التركي الذي فرض على اردوغان الموافقة على حضور وفد رسمي سوري مع كبار النخب السورية وحضور مؤتمر حزب الشعب المعارض منذ اسابيع وتحدث اعضاء الوفد السوري وشرحوا لاول مرة وجهة نظر الدولة السورية للشعب التركي، وهذه التحولات كلها ليست لصالح اردوغان.

وحسب المصادر المطلقة، ان ما يجري الان على الارض السورية كان قد سبقه اتصالات وتطورات، لكن ما اشعل غضب الاتراك مرده الى نجاح الرئيس السوري بشار الاسد بمنع اشراك اي ممثل للاخوان المسلمين في لجنة صياغة الدستور ورفض الاسد اي بحث معه من قبل الروس والايرانيين بتمثيل الاخوان ولو بشكل «هزيل»، ورد بان الاخوان المسلمين هم جماعة ارهابية، وعنهم انبثقت كل الحركات التكفيرية والاخوان هم «الاب الحقيقي» لداعش والنصرة، ونجح الاسد باقصاء الاخوان وتشكيل اللجنة الدستورية على ان يكون التمثيل موزعاً، خمسين مندوبا للدولة السورية وخمسين مندوبا للمعارضة المعتدلة وخمسين مندوبا للمجتمع المدني، كما رفض الاسد اي بحث بتعيين وزير للاخوان في الحكومة السورية الجديدة ولو على الهامش اوحتى للصورة وابلغ الروس والايرانيين بذلك «وجنّ جنون» اردوغان. لكن الايرانيين والروس سعوا الى تقريب وجهات النظر بين البلدين وعملوا على ترتيب سلسلة لقاءات بين رؤساء الاجهزة الامنية السورية والتركية. وعقد منذ شهر ونصف الشهر الاجتماع الاول بين مسؤول المخابرات التركية فيدان ومسؤول سوري رفيع المستوى في موسكو، واستتبع ذلك باجتماع ثان في طهران منذ شهر واجتماع ثالث في مدينة «كسب» السورية لكن على مستوى الصف الثاني، ولم تنجح كل هذه الاجتماعات بتقريب وجهات النظر، ولم تحرز اي تقدم، مع تمسك سوريا برفض اي تمثيل للاخوان المسلمين، رغم تأكيد الجانب السوري انهم لمسوا تفهما تركيا للموقف السوري، وعندها ادركت تركيا انها خرجت من «المولد السوري» من دون حمص، وقررت ضرب الحل واجتماع اللجنة الدستورية في اواخر تشرين الاول في جنيف رغم ان اللجنة تحظى بتأييد اميركي واوروبي وعربي وتحديداً من السعودية ومصر فيما ابلغ الايرانيون تركيا بان الحل الوحيد لازمة شمال سوريا وضرب الارهاب يكمن في انتشار الجيش العربي السوري في هذه المنطقة وهو الوحيد القادر على تبديد الهواجس التركية من العمليات الكردية وغيرها، لكن اردوغان أصر على العملية العسكرية وان يكون الحل ضد الاكراد باشراف الجيش التركي ودعم المعارضين التابعين للاتراك وتحديداً جمال ادريس.

والضربة التي تلقاها اردوغان من سوريا تعود الى قناعته الراسخة واعتقاده بان الرئىس الاسد سيرفض تشكيل اللجنة الدستورية الجديدة، لكنه فوجىء باجتماعات استانة الاخيرة بتسهيل الرئىس الاسد لموضوع تشكيل اللجنة وطلب الاسراع بعقد اجتماعاتها مع نجاحه بفرض شرط ابعاد الاخوان المسلمين و«قسد» عن اللجنة وقبول الاسد، فاجأ اردوغان بصدمة كبيرة.

فتشكيل اللجنة الدستورية السورية حظي بمواقف عربية ودولية واوروبية وبموقف ايجابي جدا من مصر والسعودية، حيث لعب الرئيس السيسي دوراً بارزاً في اقناع الرياض بسلوك توجه ايجابي نحو سوريا، وابلغ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الرئيس السيسي بتأييد للجنة الدستورية وانسحاب الرياض من الاحداث السورية ووقف دعم المسلحين بالمال واتخذ اجراءات ضد تحركات المعارضة السورية في الرياض وقيّد حركتها، كما ساعد على انسحاب المسلحين المحسوبين على الرياض من كل مواقع القتال الاساسية ودخول الجيش السوري لهذه المناطق، ومن المحتمل جداً حصول تقارب سوري - مصري - سعودي للوقوف بوجه تركيا.

لكن المصادر المطلعة تشير الى الاخطاء التي ارتكبها العرب وتحديداً دول الخليج بحق سوريا، وتسأل المصادر لو كانت سوريا في صحتها الكاملة، وكان المحور السعودي السوري المصري في صحة جيدة ايضاً، فان الكثير من الاحداث في الخليج لم تكن لتحصل في ظل العلاقات السورية الممتازة مع ايران، وكانت اوضاع العرب مختلفة جذرياً، وهذا الخطأ اكتشفه المسؤولون السعوديون والمصريون وكل قادة الدول العربية حاليا، لكن ما حصل قد حصل، جراء الانبطاح العربي امام واشنطن، وسوريا قادرة ان تلعب في الخليج والمنطقة ادواراً لا تستطيع اي دولة القيام بها. فهل يتعظ العرب؟

وحسب المصادر المطلعة، فان القيادة السورية تحقق تقدماً وانجازات داخلية وفي موازاتها بدء الرئيس الاسد خطواته الاقتصادية والاصلاحية لتأمين متطلبات الشعب السوري وقال حسب المتابعين للاثرياء وكبار المتمولين «الشعب السوري الفقير دفع ثمن الحرب وعليكم دفع ثمن الاقتصاد حالياً»، وبدأت خطوات عملية لافتة في هذا المجال انعكست على الليرة السورية ووضع الاقتصاد، مع معلومات عن شراء محصول القمح من المزارعين وتسليمهم «البذار» مجاناً، كذلك رفض الرئيس الاسد وضع سوريا تحت مقصلة «البنك الدولي» والمنظمات الدولية ورهن سوريا لهذه المنظمات برفضه اي قروض خارجية طويلة الامد او قصيرة الامد. وبالتالي، رفض اي ديون خارجية على سوريا والاعتماد على الحركة الداخلية ووضع موازنة «بصفر» عجز، علما ان «خدمات الدولة» عادت الى كل المناطق باستثناء بعضها مع تأمين الكهرباء والمياه والبنى التحتية. ورغم كل ما تعرضت له سوريا بقي الموظفون في كامل انحاء سوريا يحصلون على رواتبهم من الدولة السورية وتأمين الدراسة في كل المحافظات ايضاً مع الكادر التعليمي. وهذا لا يعني ان سوريا قامت وتبقى بحاجة للكثير الكثير، والانتهاء من اثار الحرب يحتاج لسنوات وسنوات وسنوات، وتحديداً في مجال الاعمار واعادة النازحين ويبقى الاساس ان التطورات السورية كبيرة لكن دمشق تراهن على عامل الوقت. ونجحت وتنجح في تفكيك كل الالغام وهي تعرف جيداً المتغيرات وتنتظر؟