بعد ان كانت الحكومة على قاب قوسين من ان تتألف، تعرقلت مهمة الرئيس المكلف مصطفى أديب وعادت الأمور الى نقطة الصفر في ما خص التشكيل. وفي حصيلة الجولة، استطاع الثنائي الشيعي ان يفرض شروطه في عملية التأليف عبر تمسكه بوزارة المال ورفضه التفريط اوعلى الأقل منع توزير شيعي في حقيبة المال من دون موافقته على الاسم .

استطاع الثنائي ايضاً ان يعيد الأمور الى مسارها الطبيعي والى الواقعية السياسية التي تحتم مناقشة الكتل وعدم تجاهلها لاعتبارات سياسية او في سياق تصفية الحساب الجارية على الساحة على توقيت الساعة الاقليمية، فالقناعة لدى  مكونات 8 آذار في الساعات الأخيرة، ان الحكومة تدار «بريموت كونترول» من بيت الوسط وتحديداً من رؤساء الحكومات السابقين في محاولة واضحة قائمة على تجاهل دور الأكثرية النيابية وعزل حزب الله وحلفائه.

وفق مصادر 8 آذار، فان ما حصل لم يكن منفصلا عن كل الأحداث السياسية التي تحصل في الأشهر الأخيرة لاستهدافه وعزله عن محيطه وخلخلة تحالفاته، فالتصويب على الحقيبة التي يتولاها وزيراً من الحصة الشيعية أتى في هذا الاطار، حيث يتعرض الثنائي لحملة في الداخل تتقاطع مع أجندة خارجية لاقصائه وتطويقه، ووفق المصادر، فان  حزب الله تعاطى مع التأليف  كما فعل مع «ثورة 17 تشرين» والاحتجاجات  بعقل استراتيجي وبارد، رغم تأكده ان رأسه موضوع على المقصلة وعملية استفزازه مستمرة وان التحركات ابعد من مطالب حياتية  بامتدادات تربط بين الحصار الاقتصادي والسعي لنزع سلاحه بالضغط الشعبي، فتمهّل في استعمال اوراقه، ولم يبادر الى اعتماد القوة واستعراض عضلاته بل غلب خيار التهدئة في اغلب المحطات ولم يسع الى فرض رئيس حكومة بالضغوط، بل كان متمسكاً  دائما بالرئيس سعد الحريري.

 العقوبات الأميركية التي استهدفت الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس برمزيتيهما السياسية لحزب الله، تأتي ايضاً في هذا السياق، فالاثنين من صقور 8 آذار ومهندسي العلاقة السياسية والملفات الساخنة مع المقاومة، كما ان  صدور العقوبات عشية تأليف الحكومة غايتها معروفة من اجل مضاعفة الضغوط،خصوصا ان العقوبات مدروسة بعناية مركزة، فهي شملت وزيرين من الحلقة الضيقة اللصيقة بالحزب، منهم احد الخليلين الذي كان يلعب دوراً بارزاً في تأليف الحكومات، في حين تم استثناء الوزير السابق جبران باسيل في دلالة او اشارة اميركية بارزة  للعب على وتر العلاقة بين التيار وحزب الله، ومن اجل زعزعة العلاقة بينهما بعد ان رفع التيار شعار المداورة في الوزارات ورفض المثالثة، هدف العقوبات ايضاً توسيع الشرخ بين ميرنا الشاولوحي والضاحية، وخلق شبهات حول استبعاد باسيل وقيادات التيار عن لائحة العقوبات.

واذا كانت العقوبات الأميركية كما تقول مصادر سياسية محايدة، مؤشر لمرحلة مختلفة من المواجهة على الساحة ورسالة الى كل الأفرقاء مفادها ان العقوبات لن توفر اي فريق «معادي» للسياسة الأميركية، حيث يتوقع ان تكر سبحة العقوبات على شكل قنابل تنفجر على دفعات، فان المفعول العكسي لها ظهر في تصريحات المسيحيين من فريق 8 آذار ممن اعتبروها «وسام شرف» لعلاقتهم  مع حزب الله، مما يؤدي الى فشل  الرهان الأميركي بالتأثير السلبي في المزاج المسيحي لتقليب البيئة المسيحية ضد حزب الله، حيث تؤكد المعلومات توجه الادارة الأميركية الى رفع منسوب الضغط في المرحلة المقبلة في اطار سياسة الضغط على حزب الله وعزله عن حلفائه.

 الرد على العقوبات الأميركية ايضاً اتى من خلال موقف الثنائي الشيعي المتشدد بالانسحاب من الحكومة اذا لم يسمح له باختيار وزرائه الشيعة، ومع التسليم ان هناك واقعاً جديداً مغايراً، الا ان الثنائي لن يقدم تنازلات اذ يدرك حزب الله ان سياسة اقصائه وعزله عن الساحة قائمة ولن تتوقف، ودخلت مرحلة الجد، ويلجأ الفريق الشيعي الى تكتيكات معينة وخيارات ذكية  في التعامل مع الأحداث بانتظار المسارات الاقليمية وعدم الصدام مع الآخرين رغم الاخطاء المتراكمة.