واشنطن نجحت «بترويض» باسيل وفشلت مع بري... هل تحدث المراجعة؟

الحريري يقدم «اوراق اعتماد» جديدة في الرياض: مهمة عزل «الثنائي»

 


فصل ما يجري على الساحة اللبنانية عما يدور في الاقليم يبدو امراً ساذجاً وخبيثاً في آن واحد، ومحاولة البعض في لبنان وخارجه تحميل «الثنائي الشيعي» مسؤولية «ترنح» المبادرة الفرنسية الآيلة للسقوط خلال الساعات القليلة المقبلة ما لم تدخل فرنسا على الخط جديا «لانعاشها»، تجهيل للحقائق واستمرار في العبث والمراهقة الذي يدفع البلاد الى انفجار «قنبلة» سياسية، وامنية، واقتصادية ، سيكون انفجار المرفأ مجرد «نزهة امام التداعيات المرتقبة.

اذا هي ساعات حاسمة امام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لانقاذ «ماء الوجه» في بيروت، قبل ان يصاب بنكسة خارجية مدوية تضاف الى سلسلة من الاخفاقات الداخلية المتتالية، ودخول مسؤول استخباراته الخارجية برنار ايمييه على خط الاتصالات المباشرة مع المعنيين في لبنان يفترض ان يترجم تغييراً جوهرياً في ادارة ملف تشكيل الحكومة العتيدة بعدما اصبح الرئيس المكلف مصطفى اديب اسير «زنزانة» سياسية وضعت مفاتيح اقفالها داخليا بيد «نادي رؤساء الحكومة السابقين» الذي يسير وفق اجندة خارجية مشبوهة محفوفة بمخاطر كبيرة، خصوصا ان المغامرة الراهنة بظروفها الداخلية معطوفة على الهجمة الاميركية المفتوحة على ايران وحلفائها تشبه الدعسة الناقصة لحكومة فؤاد السنيورة عام 2008 حين رضخت للضغوط الاميركية واتخذت قراراً بتفكيك شبكة اتصالات المقاومة، فكانت احداث الثامن من ايار، وعندها اكتشف الجانب اللبناني المتواطىء انه ترك وحيداً لمواجهة مصيره سياسيا وميدانيا... فلماذا الان تكرار التجربة والعودة مجدداً الى سوء التقدير الذي سيؤدي حكماً الى «الخراب»؟

مصادر سياسية بارزة، تؤكد ان مصالح «نادي رؤساء الحكومة السابقين» ليست متشابهة، لكنها في هذه الظروف تلتقي على استغلال فرصة العصا الاميركية الغليظة والضغط الفرنسي لاحداث «انقلاب» في موازين القوى في البلاد، والغاء مفاعيل انتخابات عام 2018 بعد ادراكهم استحالة الذهاب الى انتخابات مبكرة، وهكذا اتخذ القرار بتشكيل حكومة تنزل عبر «المظلة» دون استشارة قوى وازنة لا تزال تملك الاغلبية النيابية، طبعا ليست الفكرة هذه من «عنديات» رؤساء الحكومات، فقد اتضح بعد ساعات من مغادرة الرئيس ماكرون بيروت ان ثمة من دخل على «الخط» للاستثمار في وهج التفجير، وما تلاه من ارباك سياسي في البلاد، وسط انهيار اقتصادي ووضع مالي صعب، لتحقيق انجاز يقلب «الطاولة» على حزب الله، خصوصا ان مسارعة الرئيس نبيه بري الى التضحية بحكومة حسان دياب وفرض امر واقع على شركائه من خلال اعلانه التخلي عنها دون قبض الثمن السياسي سلفا، تمت قراءتها على نحو خاطىء، وفسرت انها مؤشر ضعف عند الفريق الاخر الذي يريد «السترة».

وفي هذا السياق، لا تبدو السعودية بعيدة عما يجري على الرغم من غيابها عن «مسرح الجريمة»، وبحسب اوساط مطلعة لا يبدو تشدد رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عبثياً، فانقلابه على «صداقته» مع الرئيس بري وتشدده في المقاربة الحكومية يشكل فرصته الاخيرة للعودة مجددا الى «الحظيرة» السعودية، وهو يريد في هذه اللحظات الدقيقة تقديم نفسه «رأس حربة» في مواجهة «الثنائي الشيعي» بعدما سبق وتم اعتقاله في المملكة بتهمة «التهاون»، وهو الان تحت فترة اختبار... واذا كان الرئيس السنيورة تلميذاً نجيباً في هذه «المدرسة» ولا يحتاج لضغوط لتنفيذ اجندة مماثلة، فان الرئيس نجيب ميقاتي يخشى على نفسه من العقوبات التي باتت «سيفا مسلطا» فوق رقاب الجميع.

طبعا الدخول الاميركي هو الاكثر «فجاجة» على خط التشكيل حيث طور الاميركيون نظرية عدم مشاركة حزب الله في الحكومة الى ما هو اخطر، من خلال ابعاده عن الاستشارات الحكومية، والاكثر خطورة هذه المرة كان في ضرب حصار مطبق على رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان يشكل «هامشاً» شيعياً مقبولاً باعتباره يدوّر الزوايا ويُشكل بالعادة مخارجاً في «الايام الصعبة»، فجاءت العقوبات المالية بحق الوزير علي حسن خليل، لتؤكد ان «ادارة الظهر» من قبل الرئيس المكلف لـ«عين التينة» ليس مجرد نهج جديد لرئيس لا يملك خبرة، بل خطة محكمة لعزل «الثنائي الشيعي»، بعدما نجح الاميركيون في «ترويض» رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل الخائف من العقوبات، وكانت اشاراته «التنازلية» حكومياً، وتحوله الى «نعجة» لا تهمها الحقائب او الوزارات، وعدم معارضته قيام رئيس الحكومة المكلف بتسمية الوزراء المسيحيين، وقراره عدم المشاركة في الحكومة مع منحها الثقة، واختيار سياسة «النأي بالنفس» عن حزب الله، وتمرير رسائل الى الاميركيين سواء في ملف الحدود او مداورة الحقائب السيادية وغيرها،كل هذه المواقف كانت بمثابة اشارات ايجابية طمع من خلالها «الطباخون» في الداخل والخارج للحصول على المزيد، فاذا «رضخ» باسيل فهذا يعني ان «الثنائي» وخصوصا «عين التينة» لن يصمدا؟

طبعا هذه القراءة الخاطئة في تقدير قدرة «الثنائي» على الذهاب في المواجهة الى النهاية، ادت الى «الدعسة» الناقصة التي فرملت المبادرة الفرنسية، فقد اعتقد كثيرون ان بري سيتمايز عن الحزب بعد العقوبات على علي حسن خليل، خوفاً من «الاعظم»، الا ان هذا الامر دفعه الى المزيد من التشدد، وهو ابلغ من يعنيهم الامر انه لن يسمح باستفراد حزب الله لان ذلك يعني حكما نهاية دور الطائفة الشيعية الريادي في البلاد.. في المقابل، يدرك حزب الله ومعه بري ان مشكلة وزارة المال مصطنعة، والمطلوب هو تكريس عرف جديد، يقوم على تهميش «الثنائي» سياسيا، تمهيدا لما هو اخطر، ولهذا يعتبران التنازل هذه المرة ذات دلالات خطيرة، وسيجر الى تنازلات اخرى سيكون ثمنها باهظا.

وفي الخلاصة، «الكرة» الان في «ملعب» الفرنسيين، وهم متهمون حتى اثبات العكس،وهم مطالبون بمراجعة خياراتهم، والساعات المقبلة حاسمة لانقاذ مبادرتهم التي جرى الالتفاف عليها من قبل بعض دوائر الخارجية الفرنسية، بالتضامن والتكافل مع الاميركيين، ودول الخليج لحرفها عن مسارها الاساسي الذي كرسه الرئيس ماكرون حين اجتمع بالقوى السياسية في قصر الصنوبر، عندها كان واضحاً بانه لم يأت لعزل احد، وتم الاتفاق على تأجيل كل البنود «الجدلية» الى المستقبل بما فيها سلاح حزب الله، وكان وعد بالتسهيل من قبل «الثنائي» الذي فوجىء بحصول انقلاب على الاتفاق الذي بني على اساس تعاون الجميع، وليس تفويض «نادي الحكومة» الملوثة ايديه بالفساد على مدار السنوات الماضية بالتأليف وحده، واظهار انه المنقذ، بينما الاخرون «حرامية» وخارجين عن القانون.

الان على الفرنسيين اثبات جديتهم وقدرتهم على لعب دور وازن على الساحة اللبنانية، وهم امام اختبار الصدقية، «والثنائي الشيعي» مستعد للتعاون اذا ما عاد اديب الى جادة الصواب في عملية التأليف، وهذا ما تم ابلاغه بالامس للسفير المصري، لكن على اصحاب المبادرة اثبات حرصهم على انقاذ ما يمكن انقاذه في البلاد بعيداً عن الاجندات الاميركية و«الاسرائيلية» التي تعمل على اخضاع المنطقة لمسار التطبيع، وتضع كل القضايا في خدمة انتخابات الرئيس دونالد ترامب، اما اذا كانوا جزءاً من «لعبة» خطيرة اسند اليهم فيها دور «الحمل»، فان هذه اللعبة لن تمر على الساحة اللبنانية، لان ثمة قوى لا تزال تمتلك الكثير من «الاوراق» الرابحة وليست في موقف ضعيف يفرض عليها الاستسلام... واي اخفاق للمبادرة الفرنسية تتحمل مسؤوليته باريس، اما لضعفها في مواجهة الاميركيين، او لتواطئها معهم في تمرير سيناريو «فاشل» ولد «ميتا»... فاي طريق سيختاره الفرنسيون؟ هل ينقلبون مجددا على تفاهماتهم مع طهران في الملف اللبناني؟ ام يثبتوا انهم قادرون على ادارة سياسة خارجية بعيدا عن الاملاءات الاميركية؟