كما لو أننا أمام أيام شكسبيرية، أو أمام أيام هيتشكوكية. أي ساذج يمكن أن يتصور مصطفى أديب جالساً، بمفرده، في غرفة مقفلة، وهو يفكر بالأسماء والحقائب، دون أن يكون الخط الساخن شغالاً مع جهة ما أو مع جهات ما؟

أيضاً، أي ساذج يتصور أن توقيت العقوبات لم يكن مبرمجاً، والغاية منه ايصال رسالة محددة الى من يعنيهم الأمر؟ لا وجود لحزب الله، أو لأي من حلفائه، في الحكومة. هذا الكلام نقل لسعد الحريري الذي شعر من هو، وأين هو، فؤاد السنيورة في البلاط الأميركي...

ليس هكذا فقط. يفترض بالبيان الوزاري أن يلحظ بنداً رئيسياً يتعلق بترسانة الحزب. هذا هو الغباء الأميركي، في أقصى تجلياته. هل باستطاعة مصطفى أديب أن يحمل جهنم على ظهره؟

حتى الأشباح خرجت من الجدران. من اليوت أبرامز الذي أعاد اللوبي اليهودي زرعه في البيت الأبيض ليكون الى جانب جاريد كوشنر، الى جيفري فيلتمان، وحتى الى تيري ـ رود لارسن، ناظر القرار 1559، وقد أطل برأس الثعبان، وبشكل الثعبان. كوندوليزا رايس منهمكة في نشاطها الأكاديمي. يتردد أنها، الآن، عاشقة لعازف جاز شهير.

كل ما يحدث في حديقة البيت الأبيض لا يقنع حاخامات الايباك. الثمن الذي يريدونه رأس حزب الله الذي لم يكن حتى ملوك التوراة يتوقعون ظهوره. معلقون أميركيون يعتقدون أنه اذا ما خسر الرئيس الانتخابات، السبب سيكون... السيد حسن نصرالله!

من الآن، وحتى الثالث من تشرين الثاني، يفترض بالرئيس أن يفعل شيئاً ما ضد الحزب. من زمان، قال آرييل شارون ان الذين اعتمد عليهم في لبنان كانوا تماثيل من القش. على من يستند مايك بومبيو الآن ؟؟

من اللحظة الأولى للاعلان عن العقوبات، رأت التعليقات الفرنسية انها ضربة من الخلف الى ايمــانويل ماكرون. لبنان لم يعد وديعة فرنسية. من زمان، وواشنطن تريده وديعة أميركية. التصريح الأخير لبومبيو كان شديد الوضوح. لا مكان لأي دور فرنسي في لبنان. لعلها... البشرى بالخراب.

لطالما حاولت باريس اقناع الأميركيين بأن الوصول بالحصار على حزب الله، الى حد الاختناق، ليس من مصلحتهم، ولا من مصلحة حلفائهم. تنظيم «داعش»، والتنظيمات المماثلة، تنتظر الانفجار لتخرج من كهوفها.

ولكن ألم تكن الأباتشي الأميركية تغطي قوافل «داعش» وهي تقطع مئات الكيلومترات في الفيافي العراقية ومن بعدها الفيافي السورية ؟

دونالد ترامب، بعقلية شايلوك، غير معني بوجود لبنان. اصغى بدقة الى ما قاله له هنري كيسنجر حول «الفائض الجغرافي». ولأن العملية العسكرية مستحيلة ضد حزب الله، الضغط السياسي، والضغط المالي والاقتصادي، الى أن تعلو صرخة البطون الخاوية في كل الأرجاء.

لا أحد يقول ان برنار ايميه وغوستاف لوبون من المعجبين بالحزب. على العكس من ذلك، يجدان فيه الظــاهرة الغريبة، والغرائبية، في التركيبة اللبنانية التي أقرب ما تكون الى الكازينو منها الى الدولة.

هذا لا ينفي، كاستنتاج ديكارتي، أن الحزب بات ركناً أساسياً من أركان الحالة اللبنانية، ولا مجال البتة للقــفز فوقه أو لاقصائه. مايك بومبيو الذي يوصف بالطنــجرة الفــارغة كان ينتظر من الاليزيه، اثر انفجار المرفأ، أن ينفذ انزالاً على شاطئ بيروت بحجة حماية المسيحيين، لا ان يلتقي ايمانويل ماكرون بالنائب محمد رعد بكل ذلك الود...

ثمة فيلم رائع لألفرد هيتشكوك « Vertigo» أي الدوامة (جيمس ستيوارت وكيم نوفاك). مصطفى أديب في الدوامة الفرنسية أم في الدوامة الأميركية؟ ماذا فعل به فؤاد السنيورة بالشخصية الدونكيشوتية والمكيافيلية...؟

يفترض أن يخترق مسار التشكيل كل العوائق. الأميركيون يريدون تخريب المشهد السياسي كلياً. لا تستبعدوا عقوبات مفاجئة وصارخة. الفرنسيون يعلمون ذلك. عليهم، وقد بدأوا براغماتياً، أن يكملوا الطريق بنظرة أعمق الى الوضع اللبناني.

الحكومة الآن والا... الأبوكاليبس!!