إذا كان مصير مُحاولات تشكيل حُكومة جديدة برئاسة الدُكتور مُصطفي أديب لا يزال ضبابيًا، في إنتظار جلاء صُورة أحدث جولة من الإتصالات اليوم الخميس، فإنّ المواقف الداخليّة والخارجيّة من عمليّة التأليف باتت أكثر من واضحة، مع بروز بيان الرئاسة الفرنسيّة التي أسفت «لعدم تمكّن الزعماء السياسيّين اللبنانيّين من الإلتزام بتعهّداتهم للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون» مع تأكيدها في الوقت عينه أنّ الأوان لم يفت بعد لتشكيل حكومة. وقد تبيّن للجميع أنّ ما يحصل يتجاوز مسألة تشكيل حُكومة جديدة، وهو يعكس صراعًا إقليميًا ودَوليًا كبيرًا له العديد من الإنعكاسات على الساحة الداخليّة.

وفي هذا السياق، رأى مصدر سياسي حزبي من قوى 8 آذار السابقة، أنّه وتحت عنوان حُكومة الإنقاذ والإصلاح، وفي ظلّ ترغيب فرنسي بجزرة أموال الدعم الخارجيّة، والتهويل الأميركي بعصا العُقوبات، جرت مُحاولة لتغيير قواعد اللعبة القائمة في لبنان منذ سنوات طويلة. وقال إنّ هذه المُحاولة تضمّنت إلغاء نتائج الإنتخابات النيابيّة الأخيرة التي نقلت الأغلبيّة التشريعيّة من جهة إلى أخرى، وتبديل موازين القوى والتوازنات التي رست عليها الأمور خلال المرحلة الأخيرة. وأشار المصدر نفسه إلى أنّ بعض القوى الداخليّة دخلت من خلف الكواليس على خطّ هذه المُحاولات، مُستغلّة دقّة الأوضاع الإقتصاديّة والماليّة والمَعيشيّة في لبنان، بهدف تبديل الوقائع القائمة عبر اللعب على وتر الحاجة الشعبيّة.

وأكّد المصدر السياسي الحزبي نفسه، أنّ التهويل الخارجي مُدان، ومُلاقاته داخليًا من قبل البعض مُستغرب ومَرفوض، مُشدّدًّا على أنّ ما عجزت «إسرائيل» عن فرضه خلال عدوان تمّوز 2006، وما فشلت الولايات المُتحدة الأميركيّة في تمريره في لبنان والمنطقة من خلال تدخّلاتها العسكريّة وعُقوباتها الإقتصاديّة خلال العقد الأخير، لن يتمّ تقديمه على طبق من فُضّة، تأثّرًا بُوعود هنا وخوفًا من ضُغوط هناك، وخاصة أنّه سبق وأن عايشنا الكثير من الوُعود والضُغوط المُشابهة في السابق! ونصَح المَصدر عينه القوى اللبنانيّة كافة، بضرورة التحلّي بالوعي لخُطورة الأهداف الخارجيّة، وإلى التعاون لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيّين، عبر تكثيف الحوار الداخلي لتسهيل ولادة حُكومة جامعة مُهمّتها إصلاحيّة نعم، لكن لا تهدف إلى فرض أجندات سياسيّة خارجيّة، سبق وأن دفعنا دمًا غاليًا للتصدّي لها ولإفشالها. وقال: «فليفهم الجميع، لا يُمكن أن نترك السُلطة التنفيذيّة، في الوقت الذي على الحُكومة المُقبلة التعامل مع قضايا مصيريّة بمُستوى ترسيم الحُدود البريّة والبحريّة، وإستخراج النفط والغاز، وتنظيم إنتخابات نيابيّة جديدة ستُحدّد مصير لبنان في المُستقبل القريب، إلخ».

في المُقابل، رأى مصدر سياسي حزبي مَحسوب على قوى «14 آذار» السابقة، أنّ ما يتردّد عن مؤامرات خارجيّة لتغيير موازين القوى في لبنان، وعن تورّط جهات لبنانيّة فيها، هو من نسج الخيال! وقال إنّ لبنان أمام فرصة تاريخيّة لن تتكرّر، للإستفادة من دعم خارجي يحول دون إنهياره بشكل كامل، مُعتبرًا أنّ إفشال هذه الفرصة جريمة، بغضّ النظر عن الحُجج والأعذار. وأضاف المصدر نفسه أنّ المسألة غير مُرتبطة بإخراج حزب الله أو سواه من الحُكم، لأنّ كل القوى السياسيّة التقليديّة المعروفة ستكون خارج الحُكومة الحياديّة المَنوي تشكيلها، والمسألة غير مُرتبطة بإستهداف طائفة أو مذهب، أو بالسعي لحجب حقيبة وزارية أو ما شابه، بل باعتماد مُقاربة جديدة للسُلطة التنفيذيّة وبتأليف حُكومة مُتخصّصة ومُتجانسة والأهم تُوحي بالثقة للعالم الخارجي، لتشجيعه على مدّ يد المُساعدة للبنان.

ولفت المصدر الحزبي نفسه، إلى أنّ تقاسم الحُكومة بين القوى السياسية اللبنانيّة ـ كما كان يحصل في السابق ـ وقيام هذه الأخيرة بتسمية الوزراء وفق الحصص السياسيّة والدينيّة المَعروفة، يعني أنّنا سنكون مُجدّدًا أمام حُكومة مُشابهة تمامًا للحكومة المُستقيلة برئاسة الدُكتور حسّان دياب، أو حتى مُشابهة للحكومات قبلها، وبالتالي، أمام النتائج نفسها. وأكّد أنّ هذا الأمر غير وارد، لأنّ «من جرّب المُجرّب، يكون عقله مُخرّبًا»، ولأنّ النتائج ستكون مزيدًا من الإنهيار. وتابع المصدر، أنّ المُشكلة اليوم ليست في من يحق له تسمية الوزراء، وفي من يحق له الحُصول على هذه الوزارة أو تلك، بل في كيفيّة التمكّن سريعًا من جلب المُساعدات الماليّة الخارجيّة، لوقف المنحى الإنحداري للوضعين المالي والحياتي، مع ترك المواضيع السياسيّة جانبًا، ومع مُعالجة تلك العاجلة والحسّاسة منها، خارج السُلطة التنفيذيّة، كما حصل في أكثر من مناسبة في السابق.    

وبين هذا الرأي وذاك، أكّدت أوساط سياسيّة مُطلعة أنّه يُمكن إختصار ما حصل خلال الأيّام القليلة الماضية، بأنّه عبارة عن مُواجهة كُبرى مُستترة، تُشكّل جولة أخرى من صراع كبير دائر في منطقة الشرق الأوسط، حيث حاول أكثر من طرف داخلي وخارجي تمرير حُكومة حياديّة وخالية من السياسيّين، لكنّ هذه المُحاولات اصطدمت بالتوازنات المَفروضة داخليًا والتي لا يُمكن تغييرها بهذا الشكل. وختمت هذه الأوساط كلامها بالقول إنّ الصراع الدائر في المنطقة كبير، ويتجاوز عمليّة تأليف حكومة جديدة، وكل الوُعود بإنقاذ لبنان، ما يَستوجب التصرّف بحنكة وتدوير الكثير من الزوايا، لعدم تفويت فرصة الإنقاذ المَوعودة.