الحكومة قد تُبصر النور اليوم إذا ما نجحت محاولات إبراهيم

مسؤول فرنسي كبير: قد يكون من الصعب إعادة الودائع بالكامل

في ظل الظروف السياسة القاتمة التي تعصف بلبنان والتي تمنع تشكيل حكومة جديدة في ظل إطار إقتصادي، مالي، نقدي، إجتماعي سيىء، عاد إلى الواجهة البارحة موضوع الودائع لكن من الباب الفرنسي. فقد صرح مسؤول فرنسي كبير خلال الإجتماع مع وفد من جمعية المصارف أنه «قد يكون من الصعب على البنوك في لبنان التمسّك بمبدأ ضرورة ألا يخسر المودعون أيًا من ودائعهم»! هذا التصريح يزيد من سواد الأفق الملبد أصلا سياسيًا مع تعثّر تشكيل الرئيس مصطفى أديب لحكومة مؤلّفة من وزراء من إختياره.

  لبنان إلى المجهول؟

أجواء الأسبوع الماضي كانت تفاؤلية في ما خصّ تشكيل الحكومة، فقد كانت التوقّعات أن تبصر الحكومة النور يوم الإثنين الماضي. إلا أن يوم الأحد الفائت شهد تحوّلا جذريًا في التطورات مع رفض الثنائي الشيعي لطريقة تشكيل الحكومة من أن يكون هناك مشاورات مع الكتل النيابية. هذا الواقع عدّل في جدول أعمال اللقاء الذي جمع الرئيسين عون وأديب الإثنين الماضي حيث لم يُقدم الأخير أية تشكيلة لرئيس الجمهورية وتم إعطاء مجال للمشاورات على أن يكون هناك لقاء أخر اليوم الخميس في قصر بعبدا.

ما رشح عن اللقاء بين الرئيسين عون وأديب، أظهر صعوبة تشكيل الحكومة من دون موافقة الثنائي الشيعي وهو ما نبّه منه رئيس الجمهورية عبر قوله للرئيس أديب أن من يُعطي الثقة هي الكتل النيابية، وبالتالي هناك ضرورة للتشاور معها. وكان بالفعل لرئيس الجمهورية جولة مع ممثلي الكتل النيابية إنتهت بتصلّب المواقف ورفض طريقة التشكيل التي يقوم بها الرئيس أديب.

عمليًا، الأمور تعقدّت من الإثنين إلى الخميس إلى درجة أصبح معها الجو مُلبّد بغيوم سوداء، حيث تحدّثت أوساط الثنائي الشيعي عن عملية إنقلاب يقوم بها الخارج بمشاركة قوى داخلية. هذا الواقع إستدعى تدخل إطفائي الجمهورية اللبنانية اللواء عباس إبراهيم الذي دخل على خطّ المفاوضات بين مختلف الأفرقاء لتقريب وجهات النظر. عقدة الحكومة برزت حول نقطتين أساسيتين: وزارة المال التي يُريدها الثنائي الشيعي من حصته وتسمية الوزراء الشيعة التي يريدها أيضًا الثنائي تحت طائلة عدم المشاركة. اللواء إبراهيم طرح فكرة وزير دولة للشؤون المالية وهو ما يُلاقي حتى الساعة معارضة من قبل المعنيين بالتكليف كما ومن قبل الأميركيين الذين يُعارضون أي مشاركة للحزب في الحكومة إن مباشرة أو غير مباشرة. وأشار مصدر مُطلع أن الأميركيين لم يقوموا بهذا الضغط الكبير ليتراجعوا الأن، وبالتالي، فإن أي صيغة قد تنتج عن محاولات اللواء إبراهيم ستتطلّب غطاء أميركياً تحت طائلة مصير مُشابه لحكومة دياب.

تصريح وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية بومبيو أطلق تصريحًا ناريًا، تم إعتباره كنسف للمبادرة الفرنسية وتحدّث عن عدم توافق مع فرنسا على مبدأ الفصل بين الجناح السياسي والجناح العسكري لحزب الله. وأصدرت الرئاسة الفرنسية بيانًا أسفت فيه لفشل الزعماء السياسيين اللبنانيين في الإلتزام بتعهداتهم التي قطعوها للرئيس ماكرون في الأول من أيلول وفقًا للإطار الزمني المعلن. هذا التصريح ترافق مع تمديد المهلة الفرنسية يومين إضافيين لمحاولة إيجاد حلّ للأزمة.

ومن المعروف أن اللواء عباس إبراهيم يُحيط تحركاته بسرية كاملة، وبالتالي، من الصعب معرفة مستوى التوافق الذي وصل إليه وإذا ما كان نجح حتى الساعة في تخطّي مُشكلتي الحكومة أي وزارة المالية وتسمية الوزراء الشيعة.

السيناريوهات المطروحة عديدة وتتفرّع من إحتمالين: نجاح اللواء إبراهيم في مسعاه أو فشله مع تحرّك المساعي الاخرى:

ـ نجاح اللواء عباس إبراهيم في مسعاه، وتحرّك المساعي الاخرى، يعني أن الحكومة قد تُبصر النور اليوم أو خلال نهاية الأسبوع إلى أبعد حدّ.

ـ أما فشل اللواء عباس في مهمّته وتحرّك المساعي الاخرى، فهذا يعني دخول مرحلة المجهول مع تمديد عمر حكومة دياب ومع شبح العقوبات الذي سيتمّ إستخدامه بدون أدنى شكّ لتنفيذ الشق اللبناني من صفقة القرن وإتفاقات أبراهام والتي تُحاصر لبنان إقتصاديًا وماليًا ونقديًا وإجتماعيًا. في الواقع، الفشل في تشكيل الحكومة سيؤدّي حكمًا إلى تردّي الوضع النقدي ومعه الوضع المعيشي وهو ما سيطرح مُشكلة الأمن مع إرتفاع عدد عمليات السلب وتجويع ممنهج للشعب اللبناني. وكنتيجة عملية مباشرة لفشل تشكيل الحكومة، سيكون سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية وأسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية محور المرحلة المقبلة مع إرتفاع شبه فوري لسعر صرف الدولار في السوق السوداء، وعكس هذا الإرتفاع في أسعار السلع والمواد الغذائية والأساسية من قبل التجار الفاسدين. وهذا الأمر سيقود لبنان إلى المجهول!

  إشتباك أمني؟

أحد الخبراء الأمنيين، قال أن الوضع الأمني قد يفلت من يد القوى الأمنية والجيش نظرًا إلى أن هذه القوى تعيش نفس المشاكل التي يعيشها الشعب، وبالتالي وتفاديًا لفوضى كاملة، قد تتجه بعض القوى إلى خلق نزاعات مُنظّمة لإعادة السيطرة على «القطيع» من خلال التجييش المذهبي والفئوي والذي قد يؤدّي إلى إشكالات كتلك التي حدثت في 23 و25 كانون الثاني من العام 2007 حيث نزل مناصرو الأحزاب الرئيسية في مواجهة في شوارع لبنان من الشمال إلى بيروت مع فارق أساسي هو أن القوى الأمنية بحدّ ذاتها ستكون في حال من الجوع وهناك فقدان كامل للرقابة على مافيات التجار. ويُضيف الخبير أن تاريخ لبنان يدلّ على أن كل «deadlock» سياسي إنتهى بمشكلة أمنية قبل أن يتمّ العودة إلى طاولة الحوار!

  الودائع في المصارف

مع إحتلال التطورات السياسية المساحة الإعلامية، شقّ خبر مصرفي بإمتياز طريقه إلى الواجهة مع تسريب محضر إجتماع لمجموعة فرنسية تهدف إلى تحديد خطوات لمساعدة القطاع المصرفي اللبناني مع وفد من جمعية المصارف. فقد نقلت وكالة «رويترز» التي إطلعت على نسخة عن المحضر، عن المبعوث الفرنسي بيار دوكان قوله أنه «قد يكون من الصعب على البنوك في لبنان التمسك بمبدأ ضرورة ألا يخسر المودعون أيا من ودائعهم». وأضاف دوكان: «بينما هي مسألة مبدأ بالنسبة لجمعية مصارف لبنان أنه يجب ألا يتكبد المودعون أي خسائر، فإنه قد يكون من الصعب الدفاع عن هذا حتى النهاية. لكنها مسألة تفاوض».

الجدير ذكره أن مصرف لبنان وجمعية المصارف يرفضون حتى الساعة أي مسّ بالودائع وهو ما نصّت عليه خطة النهوض لحكومة حسان دياب، ويعتبرون أن الودائع تمّ إقراضها للدولة اللبنانية وعلى الدولة إعادة الأموال إلى المودعين وذلك من خلال صندوق سيادي يحوي على أصول الدولة ويتمّ الإستثمار في هذا الصندوق على أن يتمّ سدّ مستحقات المودعين من هذا الصندوق.

إلى ذلك أشاد المصرف المركزي الفرنسي بإيجابية وأهمّية التعميم الأساسي رقم 154 الذي أصدره حاكم مصرف لبنان قائلا أنها بداية جيدة لعملية الإصلاح المالي. على هذا الصعيد تقول المصادر أن المصرف المركزي الفرنسي يستعدّ للتدقيق في حسابات مصرف لبنان ومالية الدولة اللبنانية وذلك بهدف إعطاء تصوّر دقيق وفعّال لإمكانية إعادة هيكلة مالية الدولة والقطاع المصرفي. وعلى هذا الصعيد، تُشير المصادر إلى أن المصرف المركزي الفرنسي أصبح يمتلك تصوّرًا واضحًا لأرقام المالية العامة وأرقام مصرف لبنان وذلك بعد لقائه بوفد من جمعية المصارف برئاسة سليم صفير شرح خلاله التباين مع خطّة حكومة دياب الإنقاذية والفارق على صعيد حجم الخسائر وأسباب فشل التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وبحسب المعلومات، فإن دور المصرف المركزي الفرنسي سيكون لتقريب وجهات النظر مع صندوق النقد الدولي.

  العقوبات الأميركية

إلى هذا تتكاثر التكهنات في ما يخصّ لائحة الأسماء التي سترد على لائحة العقوبات الأميركية. إلا أن مصدرًا سياسيًا قال أن هناك إستحالة معرفة الأسماء حتى على مستوى السفارة الأميركية إذ أن صاحب القرار الأخير هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يأخذ قراره ساعات قبل صدور اللائحة رسميًا. ويقول المصدر أن جداول الأسماء مُحضّرة مسبقًا من قبل الإدارة الأميركية وبالتحديد من قبل مكتب العقوبات في وزارة الخزانة، إلا أن خيار الأسماء من هذه اللائحة يبقى سياسيًا بإمتياز ويحمل في طياته إجراء مالياً لضرب المنظومة المالية أو إجراء سياسي لتوجيه ضربة سياسية. وبالتالي، فإن الأسماء على هذه اللائحة ستتحرّك على وقع التطورات في المنطقة وبالتحديد إتفاقات أبراهام وصفقة القرن، وبالتالي، سيكون هناك هدف أساسي لهذه العقوبات وهو العزل الإنفرادي للبلدان الممانعة حتى الساعة أي لبنان، سوريا، العراق، واليمن.

يبقى القول أن العقوبات التي صدرت الأسبوع الماضي قوّضت الجهود الفرنسية وذلك بسبب عدم التناغم الفرنسي ـ الأميركي على موضوع حزب الله. لذا قد تكون العقوبات المقبلة لها مفعول كارثي أكثر، خصوصًا إذا ما قطعت الطريق على بعض المستوزرين في الحكومة العتيدة.